- الخطب
- /
- ٠1خطب الجمعة
الخطبة الأولى:
الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الإنفاق في سبيل الله :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ الخطبة السابقة كانت عن القرآن الكريم ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان يُكثرُ من تِلاوَة القرآن ، والتي قبلها كانتْ عن حِكَم الصِّيام ، أما خطبة اليوم فعن الإنفاق في سبيل الله ، وخطبة الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى عن الزكاة.
فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان جوادًا ، وكان أجْوَدَ ما يكون في رمضان ، ولكن ما فلسفة الإنفاق ؟ لماذا ننْفقُ ؟ كلّكم يعلمُ يا أيها الأخوة الأكارم أنّ في الإسلام عقائد ، وفي الإسلام عبادات ، وفي الإسلام معاملات ، وفي الإسلام أخلاق .
موقعُ الصِّيام من العبادات ، الصّيام عبادةٌ بدنيّة ، والصلاة عبادةٌ بدنيّة ، والزكاة عبادةٌ ماليَة ، والحجّ عبادةٌ بدنيّة ماليَةٌ في وقتٍ واحد .
أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا سبحانه وتعالى حينما قال :
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
أحدُ أركان الإسلام أن تنفقَ مِمَّا رزقك الله ، الإنفاق أوْسَعُ من إنفاق المال يا أيها الأخوة ، قد تنفقُ عِلمَكَ ، وقد تنفقُ خِبرتَكَ ، وقد تنفقُ جاهَكَ ، وقد تنفقُ وقتك ، وقد تنفقُ مالك، المطلق على إطلاقه ، ومما رزقناهم ينفقون .
إنفاق المال وسيلة فعَّالة لِيَرْقى بها الإنسان إلى أعلى عِلِيِّين :
آيةٌ أخرى ، يقول الله تعالى :
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾
هؤلاء الذين خاطبوا قارون ، وقد آتاهم الله العلم ، قالوا له كما قال تعالى :
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾
إذًا كأنّ الله سبحانه وتعالى أعطاك لِتُعطي ، أعطاكَ لِتُحِبَّه ، وأعطاك لِتعرفهُ ، وأمرَكَ أن تعطي لِتتقرَّب إليه ، إذا عرفت الله عز وجل ما السبيل إليه ؟ وما الطريق إلى التقرّب منه ؟ كيف تحظى بِرِضاه ؟ كيف تحظى بالقُرْب منه ؟ كيف تحظى بالإقبال عليه ؟ كيف تحظى بِتَجلياتِهِ ؟ كيف تتَّصِلُ به ؟ كيف تسْعدُ به ؟ بإنفاق ما عندك ، مِن هنا للتبعيض ، وممّا رزقناهم ينفقون ، إذًا كأنّ الإنفاقَ على إطلاقه أكثرُ وسيلةٍ فعالة للتقرُّب إلى الله عز وجل ، الله سبحانه وتعالى خلقكَ ليُسْعِدَكَ ، وأصْل الخلق أن تسْعَدَ إلى أبد الآبدين ، في جواره ، وفي جنّته، وثمنُ هذه السعادة أن تأتي إلى الدنيا وأن تخالف النفس والهوى ، النّفسُ مفطورة على حبّ المال، قال تعالى :
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
بنْيةُ النّفسُ هي الحِرص ، والتكليفُ الإنفاق ، فكأنَّك إذا أنْفقْتَ خالفْتَ فطرتَكَ التي فطِرْت عليها ، بهذه المخالفة ترقى إلى الله عز وجل ، لو جاء أمْرُ الله عز وجل موافقًا لِطَبيعتك لا ترقى به ، الله عز وجل قال : كلوا واشربوا ، هذا أمْرُ إباحةٍ ، إذا تناوَلْتَ الطعام الطيّب لا تشعرُ أنّك ترقى إلى الله عز وجل لأنّ هذا الجسد يحتاجُ إلى طعامٍ ، والأمْرُ الإلهي كلوا واشربوا الإباحة ، فإذا تناوَلْتَ أطْيَبَ الطّعام هل ترقى إلى الله عز وجل ؟ إذا جاء الأمْرُ الإلهي موافقًا لِطَبيعة النّفْس لا ترقى به إلى الله عز وجل ولكنّ الأمْرَ الذي يخالفُ طبيعتك البشريّة ، قال تعالى :
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾
من طبيعة الإنسان الحِرْصُ على المال ، قال تعالى :
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
فكأنّ الإنفاق في أصله تكليف ، والتكليف متناقضٌ مع طبيعة النفس ، مِن أجل أن ترقى أوْدَعَ في نفس كلّ رجل حبّ المرأة ، وأمركَ أن تغضّ بصرَكَ ، لماذا ترقى بِغَضّ البصر ؟ لأنّ تخالفُ شهوتك ، لماذا ترقى بالإنفاق ؟ لأنّك تخالف بُنيَتَك ، لماذا ترقى بِصَلاة الفجر ؟ لأنّك تحبّ الراحة والنوم ، وها أنت ذا تسْتيقِظ في وقتٍ من أجْمَل ساعات النوم ، لماذا ترقى بالأمْر بالمعروف ؟ لأنّ الأمر بالمعروف في بعض الأحيان مُرْهِق ومُحْرِج ومُتْعِب ، لماذا ترقى بالنهي عن المنكر ؟ لأنّ السكوت أسْلَم ، فإذا نهَيْتَ عن المنكر ربّما جلبْتَ لك المتاعِب ، معنى التكليف أيْ ما فيه كُلفةٌ ، شيءٌ يخالف طبيعة النفس ، يُخالفُ ما فُطِرَت عليه ، لو أنّ الله عز وجل فطَرَنا على إنفاق المال لما كان لإنفاق المال من معنى ، ولما ارْتَقَيْنا به ، ولكن لأنّ الإنسان خُلِقَ هلوعًا كما قال تعالى :
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
يأتي إنفاق المال وسيلةً فعَّالةً لِيَرْقى بها إلى أعلى عِلِيِّين .
الإنفاق على إطلاقه مِن أكْبرِ القُربات إلى الله عز وجل :
من هو السّعيد ؟ الذي اسْتَطاعَ أن ينتصِرَ على نفسِهِ ، أحدُ المفكِّرين في بلاد الغرْب ، كان صائبَ التفكير ، قال : ملَكْنا العالم ولمْ نمْلِكُ أنفسنا ، ما زالتْ هذه النَّفْسُ مُسيْطِرة، لا زال هذا الإنسان تابعًا لِهَواه ، يأتَمِرُ بِهَواهُ ، وينتهي بِهَواه ، لا يرقى الإنسان إلى مرتبة الإنسان الذي أراده الله عز وجل ، ولا يكون المؤمن مؤمنًا كما أراد الله عز وجل إلا إذا سيْطَرَ على نفسِهِ وملكَها وسيَّرها ، أنت أحدُ رجلين ؛ إما أن تُسيِّركَ نفسُك وإما أن تسيِّرها ، إما أن تضْبطَك وإما أن تضبطها ، إما أن تكون تبعًا لها وإما أن تكون تبعًا لك ، فلذلك الإنفاق لماذا نرقى به ؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان خلقهُ لِيَسْعَدَ في الجِنان إلى أبد الآبدين ، وثمنُ هذه الجِنان أن يُخالف النفس والهوى ، ومن مخالفة النفس والهوى إنفاقُ المال ، فلذلك ربّنا سبحانه وتعالى :
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾
والآية الثانيَة :
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾
والإنفاق في القرآن ، وردَت الآيات المتعلّقة فيه أكْثرَ مِن مئتي آية ، والإنفاق أوْسعُ من الزكاة ، كما قلتُ قبل قليل : يمكن أن تنفقَ وقتكَ ، ويمكن أن تنفق جاهك ، ويمكن أن تنفق علمك ، ويمكن أن تنفق خِبرتك ، ويمكن أن تنفق قوّتك العضليّة ، ويمكن أن تنفق مالك ، الله عز وجل جعلَ الإنفاق على إطلاقه مِن أكْبرِ القُربات إلى الله عز وجل .
معرفة الله بما ينفق الإنسان :
يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربُّنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ذكر الإنفاق في مواضع كثيرة ، مِن أبرز هذه المواضع ، يقول الله عز وجل :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾
أي يجبُ أن تعلمَ عِلْم اليقين أنّ الدِّرْهم الذي تنفقهُ في سبيل الله يقعُ في يد الله كما ورد في بعض الأحاديث قبل أن يقع في يد المسكين ، قال تعالى :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾
وهذا المعنى وردَ في آياتٍ كثيرة ، قال تعالى :
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
فما قولكَ أن يعلمَ الله ، وأنت عبْدُه أنَّك أنْفقْت شيئًا من مالك الذي أنت حريصٌ عليه ، الذي خلق الله في نفسِكَ حبّهُ ، أنفقْتهُ في سبيل الله لعلّ الله يرضى عنك .
من أنفق شيئاً في سبيل الله يخلفه الله عليه :
المعنى الثاني وهو المُطَمْئِنُ ، قال تعالى :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
ما نقصَ مالٌ من صدقة ، عبدي أَنْفِق أُنْفِقُ عليك ، أَنْفقْ بلالاً ولا تخْشَ من ذي العرش إقلالاً ، إذا آمنْتَ أنّ الله هو الرزاق ذو القوّة المتين تنفقُ ولا تهابُ الإنفاق ، لأنّ الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ، وفي آيةٍ محكمةٍ يُطمئِنُكَ ، وهو أصْدق القائلين ، ومن أوفى بعهده من الله ، ومن أصدق من الله حديثًا ؟ يُطَمْئِنُكَ ، قال تعالى :
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
وقال تعالى :
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
المعنى الأوّل الذي تنفقهُ يعلمه الله ، والمعنى الثاني الذي تنفقهُ يخلفُه الله عز وجل ، وهل من آيتَين أكْثر دَفْعًا للإنسان إلى الإنفاق من هاتين الآيتين ؟
إنما الأعمال بالنيات :
لكنّ المشكلة أنَّ دِرْهمًا تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهم ينفقُ في رياء ، إنّما الأعمال بالنيات ، اعبد الله مخلصًا له الدِّين ، يقول الله عز وجل يصفُ المؤمنين :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
قال تعالى :
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
حرِّرْ أيها الأخ الكريم نيَّتَكَ ، راقِب نفْسَكَ ، أَتَبْتغي بهذا الإنفاق السُّمعة ؟ أَتُحِبّ أن يقول الناس عنك : محْسنٌ كبير ؟ أَتُحِبّ أن يشيعَ إنفاقك بين الناس ؟ أتَزْهو بهذا الإنفاق ؟ لقد دخل الشِّرْك الخفيّ ، قال تعالى :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
وقال تعالى :
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
الفرق بين إنفاق المؤمن و المنافق و الكافر :
أما أهل الكفر فقد قال تعالى عنهم :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
أما أهل النّفاق فقد قال تعالى :
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾
المنافق ينفقُ مالهُ رئاء الناس ، هذا الإنفاق إذا شابهُ النّفاق فهو غير مقبول ، الكافر ينفقُ مالهُ ليصُدَّ عن سبيل الله ، المؤمن ينفقُ مالهُ ابتِغاء وجْه الله تعالى ، ينفقُ مالهُ في سبيل الله . من علامات المنافق أيضًا أنَّ الله عز وجل وصفَ إنفاقهم بالكراهيَة ، قال تعالى :
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾
ينفقُ حياءً ، ينفقُ بعدَ أن يُحرج ، ينفق ويتمنَّى ألا ينفق ، ينفق ويتمنَّى أن يعود في نفقته ، المنافق يكرهُ النفقَة ، والكافر ينفق ، ولكن ليصدّ عن سبيل الله ، والمؤمن ينفقُ في سبيل الله ، وينفقُ ابْتِغاء وجه الله تعالى ، بل إنَّ المؤمن إذا لمْ يُتَح له أن ينفق ربّما اعْتُصِرَ حزْنًا ، وقد وصفَ الله عز وجل أصحابَ رسول الله رضي الله عنهم الذين لمْ يجدوا ما ينفقون قال تعالى :
﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾
إنَّهم يحزنون لِعَدم الإنفاق ، المنافق ينفقُ كارهًا ، الكافر ينفقُ ليصُدَّ عن سبيل الله، المؤمن ينفقُ في سبيل الله .
من لم ينفق من ماله في سبيل الله فهو خاسر لا محالة :
معنًى آخر من معاني الإنفاق ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
القرآن إعجازُه في إيجازه ، وإعجازُه في أنَّه حمَّال أوْجُهٍ ، فالذي لا ينفقُ إطلاقًا يهلكُ نفسهُ ، وهو لا يدري ، لأنّ الله سبحانه وتعالى جاء بِكَ إلى الدنيا من أجل أن تنفق ، فإذا لمْ تنفق فكأنّك نسيتَ المهمَّة التي من أجلها أتَيْتَ ، أنتَ خاسرٌ قطْعًا إن لم تنفق ، قال تعالى :
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾
فما دمْت لا تعملُ صالحًا لا تنفق لا من وقتك ، ولا من مالك ، ولا من علمك ، ولا من جاهك ، ولا من خبرتك ، ولا من قوّتك ، ولا من عضلاتك ، ما دُمْت لا تنفق فأنت هالِك، قال تعالى :
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
بِعَدم الإنفاق ، هذا هو المعنى الأوّل ، ولا تلقوا بأيديكم باختياركم إلى التَّهْلُكة بِعَدم الإنفاق ، لأنّك أتَيْتَ إلى الدنيا من أجل أن تنفق ، ما لكَ لا تنفق ؟
الإنفاق باعتدال و تحرّي الطيب :
المعنى الآخر ؛ إذا أردْت أن تنفق فأنْفق باعْتِدال ، قال تعالى :
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
من معاني الآية أنْ أنْفق باعْتِدال ، ولا تلق بِنَفْسِكَ إلى التّهلكة ، والمعنى الآخر إنْ لم تنفق فإنَّما تهلكُ نفسكَ ، ولكن مادام الإنفاق هديّة إلى الله عز وجل ، ما دام هذا الدّرهم يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير ، ما دامَتْ هذه الخِدمة ، وهذا الوقت هو لله ، ما دام هذا الجاه لله ، وما دام هذا العِلْم لله ، ما دامَتْ هذه الخِبرة لله ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
إن أنْفقْت الطعام فلْيَكن أطْيبَ الطّعام ، إن أنْفقْت المال فلْتَكن العملة جديدة ، بعضُ الصالحين يتقصّى الدراهم الجديدة ليُنفقها ، إن أردتَ إنفاق الوقت فلْيَكن من الوقت الذي أنت مرتاحٌ فيه ، إن أردت إنفاق الجاه اِذْهَب بِنَفسك إليه أبْلَغ من أن تتَّصِلَ به هاتفيًّا ، أو رسالة صغيرة ، قال تعالى :
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
أما المنافقون فيُنفقون الخبيث ، وربّنا عز وجل نهانا عن إنفاق الخبيث قال تعالى:
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾
شيءٌ تعافُه نفسُك ، وشيءٌ تمجّه نفسك ، شيءٌ لا قيمة له عندك ، شيءٌ أنت تزْوَرُّ عنه ، هذا الشيء لا تنفقهُ لأنَّه هديّة إلى الله عز وجل ، والآية الأخرى قوله تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
درْهمٌ تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ ينفق في رِياء :
شيءٌ آخر : إذا ضعف الإخلاص أيها الأخوة ، الإنسان يحبّ أن يأخذ مقابل ماله الذي أنفقهُ ، إما أن يأخذ تجَلِيًّا من الله عز وجل ورِضوانًا ، وإما أن يسْتجدي مديح الآخرين، لذلك إذا أنْفقَ نفقةً يذكِّرُ صاحِبَهُ بها صباحاً مساء ، أنا أعْطَيْتُكَ !! أنا فضَّلْت عليك، أنا أكرمتك ، لولاي لم تكن شيئًا مذكورًا ، هذا الذي يفعلهُ بعض المنفقين أتلفوا إنفاقهم ، وضيَّعوا أجرهم لأنّهم في أغلب الأحيان ليْسُوا صادقين مع ربّهم ، وليسوا مخلصين ، فلابدّ لهذا المال من عِوَض ، والعِوَضُ هو المديح ، فإن لم يمْدحهُ الآخرون هو الذي منَّ على الذين أعطاهم حتى يَتَضَعْضَعون أمامه ، ويثنون على أفضاله ، وعلى خيراته ، فلذلك الله عز وجل يقول :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾
إذا كنتَ تمُنّ على الناس ، وتؤذيهم بأموالك ، فأنت بهذه النَّفقة لسْتَ مخلصًا ، تريد العِوضَ في الدنيا ، واستِجداء المديح ، تريد أن يثْنِيَ الناس عليك ، تريد أن يُشيروا إليك بأصبعهم ، تريد أن يرفعوك ، إذًا أنت لا تبتغي بهذه النّفقة وجه الله عز وجل . لكنَّ المؤمن الصادق يتّخِذ من النّفقة قربةً إلى الله عز وجل ، قال تعالى :
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾
ويا أيها الأخوة المؤمنون ؛ درْهمٌ تنفقهُ في إخلاص خيرٌ من مئة ألف درهمٍ ينفق في رِياء ، والإنفاق يتناسبُ مع سعَة الإنسان ، قال تعالى :
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾
لذلك رُبّ دِرهم سبقَ ألف درهم ، الذي يملكُ درهمَين أنفقَ منهما درهمًا أي أنفقَ نصفَ ماله ، والذي يملكُ ألفًا أنفق درهمًا ، الدِّرْهمُ مِمّن يملكُ درهمَين يسبقُ الدّرْهم الذي يملكُ صاحبُه ألف درهم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((رُبّ دِرهم سبقَ ألف درهم ))
وقال تعالى :
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾
باب الإنفاق من أوْسَع الأبواب إلى الله عز وجل :
لذلك صدقة الفِطر ، الشيء الغريب أنَّها تجِبُ على كلّ مسلمٍ ذكرٍ كان أم أنثى، حرٍّ أو عبْدٍ ، غنيّ أو فقير ، يجبُ أن ينفق ، إذا ملَكَ الفقير قوتَ يومه ، وجْبةُ طعامٍ واحدة عليه أن ينفق ، لِيَتَعَوَّد على الإنفاق ، ولِيَذوق طعم الإنفاق ، حتى الفقير ، هذه صدقة الرأس ، أو صدقة الفِطر تجبُ على كلّ مسلمٍ حرّ كان أو عبدٍ ، ذكرٍ أو أنثى ، غنيّ أو فقير، شرْط أن يملك قوتَ يومه فقط ، مِن أجْل ماذا ؟ من أجل أن تذوق أيّها المسلم طعْم الإنفاق ، شيءٌ طيِّبٌ جدًّا أن تُعطي مالاً أنت في أمسّ الحاجة إليه ، أن تُعطيه لأخيك المؤمن لعلّ الله يتجلّى على قلبك ، لذلك الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى قوله تعالى :
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
أي مِن أوْسَع الأبواب إلى الله عز وجل ، ومن أشدّها فعاليَّة باب الإنفاق ، قلْ لعبادي - هذه عبادي نِسْبةُ تشريف ، نُسبَ العباد إلى الله ، ياءُ المتكلّم - قال تعالى :
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
الشيءُ الذي يُلفتُ النَّظر أنّ الصلاة قُرنتْ إلى الزكاة في القرآن في ثلاثٍ وعشرين موضِعًا ، قبل الصّيام ، وقبل الحجّ ، لأنّ الصلاة اتِّصال والزكاة تزكيَة والتزكيَة تأتي عن طريق إنفاق المال ، رجلٌ طُلِبَ منه أن يُساعِد إنسانًا أو امرأةً أعطاها الكثير ، فلامَهُ أصحابُه وقالوا له : إنَّها لا تعرف أنَّك كريم ، وكان يرضيها القليل ، فقال هذا المُحْسِن : إن كانت ترضى بالقليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرفُ نفسي ومن ضاقَتْ أمورهُ وسُدَّتْ في وجهه الطُّرُق ، النبي عليه الصلاة والسلام ينْصحُه أن يستمْطِرَ الرّزق بالصَّدقة ، كيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( داووا مرضاكم بالصّدقة))
طبعًا إلى جانب المداواة العاديّة ، إلى جانب الطبيب والدواء ، هناك نصيحة نبويّة :
(( داووا مرضاكم بالصّدقة))
كأنَّك بهذه الصّدقة تسترضي الله عز وجل ، والله تعالى يُسْترضى ، وكذلك اسْتَمطروا الرّزق بالصّدقة ، من ضاقت عليه الحِيَل ، وضاقَت عليه السُّبُل ، من كان ضيِّق ذات اليد فعليه بالصّدقة فلعلّ الله سبحانه وتعالى يُسترضى بها ، ويُوسِّعُ على عبده الذي ضاقَت عليه الأمور .
من أدى زكاة ماله فقد برئ من الشّح :
أما الذين يكنزون الذّهب والفضّة ، كما قال تعالى :
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
ولكنّ الذي يؤدّي زكاة ماله فقد برئ من الشُّحّ ، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((ثلاث من كن فيه فقد برئ من الشح ، من أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه ، وقرى الضيف ، وأعطى في النوائب ))
لا يجوز أن تصفهُ بأنّه شحيح ، ولو أمسكت بيَدِك وأشرتَ بيَدِك بقبضها إشارة أنّه شحيح فأنت آثِم إذا كان قد أدَّى زكاة ماله ، ولكن أحدهم سأل أحد العارفين بالله وقال : يا سيّدي كم الزكاة ؟ فقال هذا العارف : عندنا أم عندكم ؟ فقال : ما عندنا وما عندكم ؟ من نحن ومن أنتم ؟ فقال : عندكم اثنان ونصف بالمئة ، أو واحد بالأربعين ، أما عندنا فالعبد ومالهُ لسيِّدِه لذلك قال تعالى :
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
عن فاطمة بنت قيس ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال :
(( في المال حقٌّ سوى الزكاة ))
أي أنت أدَّيْت زكاة مالك بالتّمام والكمال ، في اليوم التالي لك جارٌ مؤمن بِحاجةٍ إلى عمليّة جراحيّة ، وليس له أحدٌ إلا أنت ، وطلب منك مبلغًا من المال ، فهل تقول له : أنا أدَّيْت ما عليّ ؟! ابْحَث عن غيري ! لا .
(( في المال حقٌّ سوى الزكاة ))
فإذا جاءت كلمة معلوم ، هذه للزكاة ، أما قوله تعالى :
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
فهذه للصّدقة وليس للزكاة .
أداء الزكاة يحفظ المال و ينميه :
الآن هناك حجّة واهيَة يقولها بعض الناس ، هذه الحجّة إذا قالها الإنسان فقد وصم نفسه بالنّفاق والكفر ، قال تعالى :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
إذا قلت هذا الكلام ، وقلت : إنّ هذا غير موكَلٌ إليّ ، إذا قلت هذا الكلام فهو كلامُ أهل الكُفْر ، قال تعالى :
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
خلق الغني والفقير ، الأغنياء أوصيائي ، والفقراء عيالي ، فمن مَنَعَ مالي عيالي أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي ، كيف أذقته عذابي ولا أُبالي ؟ ما تلف مالٌ في برّ أو بحرٍ إلا بِحَبْس الزكاة ، أي تأتي موجةُ صقيعٍ خِلال ثوان المحصول كلّه يصبحُ هشيمًا ، هل أدَّيْت زكاة هذا النّتاج الزراعي ؟ هذا عليه العُشر إذا كان بعلاً ، وإذا كان مسقيًا فعليه نصف العشر ، هل أدَّيت زكاة هذا المال ؟ تجدُ بقرةً لِسَببٍ تافهٍ ماتَت ، ثمنها سبعون ألفًا ، هل أدَّيْت زكاة الحليب ؟ هل أدَّيتَ زكاة العسل وهذا المحصول الزراعي ؟ لذلك ما تلف مالٌ في برّ أو بحرٍ إلا بِحَبْس الزكاة ، هذا الحديث للخطبة القادمة إن شاء الله . إذًا قال تعالى :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
إنفاق المال في الحياة أفضل من إنفاقه بعد الممات :
آخرُ آيةٍ في هذه الخطبة ، قوله تعالى :
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام يقول :
((درهمٌ تنفقهُ في حياتك خيرٌ من مئة ألف ينفق بعد مماتك ))
أنت عملت وصيّة ، من أدراك أنّ هؤلاء الذين كتبْت لهم الوصيّة ينفّذونها ؟ قد لا تنفّذ ، وأكثر الوصايا التي تكتبُ لا تنفّذ ، لأنّ الورثة قد يكونون أَشِحّة ، فأنت إذا أردتَ أن تتقرَّب إلى الله عز وجل فادْفع المال وأنت حيّ ، وأنت صحيح شحيح معافى ، اِدْفَعْهُ والله سبحانه وتعالى يُعوِّض عليك أضعافًا مضاعفة ، فلذلك قال تعالى :
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
هنا النَّدَم ، يا ليتني أكون معهم فأفوز فوزًا عظيمًا ، يا ليتني ويا ليتني ، وليت للتمنَّي ، والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
* * *
الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الأقربون أولى بالمعروف :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ قاعدةٌ فقهيّة : الأقربون أولى بالمعروف ، بعض العلماء فسَّر هذه القاعدة فقال : الأقربون نسبًا ، أو الأقربون إلى الفقر ، أو الأقربون إلى الإيمان ، فحيثما تساوى عندك اثنان ، اسْتَخدِم العامل الآخر للترجيح ، اثنان في درجة فقْرٍ واحدة ، أيُّهما أقربُ إليك نسبًا ؟ هو الأولى ، اثنان تساوَوا في الفقر وفي النَّسَب أيُّهما أشدّ صلاحًا وإيمانًا ؟ عندك أوّل عامل عاملُ النَّسَب ، أو عامل الفقر ، أو عامل الإيمان ، إذا تساوى اثنان في عامل رجِّح بينهما في العامل الثاني ، فإذا تساوى اثنان في عامِلَين رجِّح بينهما في العامل الثالث ، فهذا الذي يجبُ أن تُعطِيَهُ يجبُ أن تجتهد في ذلك لأنّ من اجتَهَدَ فأصاب فلهُ أجران ، ومن اجْتَهَد فأخطأ فله أجر ، أما هذا الذي لا يجتهد ، ويلقي المال جزافًا من دون دراسة ، ومن دون تروّ ، ومن دون تأمُّل ، ومن دون تحقيق ، ومن دون بحث ، قد يأخذ هذا المال إنسان ليس محتاجاً ، قد ينفقهُ في معصيَة الله تعالى ، فمن لمْ يجتهد ليس له أجر ، أصاب أم أخطأ ، من اجتهد وأخطأ فله أجر ، ومن اجتهد وأصاب فله أجران ، فأنت عندك قاعدة : الأقربون نسبًا ، تساوى اثنان في قرابة النَّسَب ، أيُّهما أشدّ فقرًا ؟ تساوى اثنان في درجة الفقر ، أيّهما أكثر صلاحًا ؟ بدأت بالإيمان ، الاثنان في مستوى إيمانٍ واحد ، أيّهما أقربُ إليك ؟ بدأتَ بالفقر أيّهما أكثرُ صلاحًا ؟ عند عامل الصلاح ، وعامل الفقر ، وعامل القرابة النسبيّة ، الأقربون أولى بالمعروف ، والإنسان ليس له الحقّ أن يدفع زكاة ماله ، وفي أقربائِهِ محاويج ، لماذا ؟ لأنّه أدرى بهم ، إذا كان هناك في الأقارب محاويج ينبغي أن تدفع هذا المال لمن هو محتاجٌ إليه مِمّن تعرفهُ أنت وحدكَ ، فإذا لم يكن في أقاربك محاويج ، عندئذٍ تبحث ، وهناك جمعيات خيريّة تتولّى عنك أحيانا هذا الدَّفع .
معنا الآن في هذه الخطبة خمسُ جمعيات خيرية ، جمعيّة الصالحيّة الخيرية ومعها كتاب رسمي ، وجمعيّة القنوات الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية الشيخ محي الدّين الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية ركن الدين الخيرية ، ومعها كتاب رسمي ، وجمعية الهداية الإسلاميّة ، ومعها كتاب رسمي ، لا أدري لماذا تتوجَّه إلينا هذه الجمعيات فيبدو أنّكم أسْخِياء ، ويبدو أنّكم تدفعون مبلغًا كبيرًا ، والمبلغ في الأسبوع الماضي كان - وجزاكم الله كلّ خير ، وأكرمكم ، وحفظكم ، وحفظ أموالكم وأولادكم وأهليكم - كان المبلغ مجزيًا ، ونالَت كلّ جمعيّة من الجمعيات الأربع حوالي اثني عشر ألف ليرة ، أي جُمع في هذا المسجد حوالي خمسون ألفًا ، والآن عندنا خمسُ جمعيات ، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يكرمكم ، ادْفعوا جزءاً من زكاة أموالكم لهذه الجمعيات ، والله سبحانه وتعالى لا يُضيعُ أجْر من أحْسن عملاً .
عباد الله إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، يعظكم لعلّكم تذكّرون .